حسن الأمين

172

مستدركات أعيان الشيعة

قيسا قد أماط اللثام كاملا عن موقف الخوارج ، كدعاة للحرب ورافضين للسلام مع العدو المشترك ، حيث الشعار الذي طرحوه في أعقاب الدعوة إلى التحكيم ، فقد مضمونه الحقيقي أمام تجديد الدعوة الصريحة إلى القتال التي خاطبهم بها في ندائه السابق . ولم يكن غريبا أن يكون قيس ، أكثر قادة علي ( ع ) حضورا في النهروان التي غاب عنها الأشتر وبرز فيها الركن الآخر مقاتلا متمرسا وقائدا مجليا ، حيث المعركة واحدة ، سواء في صفين أو في النهروان ، تستهدف الشرعية في الإسلام ، بمثل ما تستهدف قناعات قيس وإيمانه وقضيته . واليا على « أذربيجان » وبعد النهروان ، رافق قيس الخليفة إلى الكوفة ، التي كانت بأمس الحاجة إلى ترتيب وضعها الداخلي ، بعد ما صرفت الحرب كل الجهود عنها . وبدا قيس لصيقا بصاحبه في عاصمة الخلافة ، مقيما على شرطته بعض الوقت ، قبل انتدابه واليا على أذربيجان ، التي سبق أن وليها لعثمان ، الأشعث بن قيس ، وكانت لديه مشكلة حول خراجها مع علي ( ع ) بعد عزله ، مما ترك شيئا من التذمر في نفسه بعد « أخذه بمال أذربيجان » ، ما لبث أن انعكس على موقفه المتذبذب في صفين ، وعلى حماسته للتحكيم الذي كان من كبار دعاته في جانب علي ( ع ) . بيد أن تعيين قيس على أذربيجان لا يخلو من الالتباس ، حيث أورده اليعقوبي سابقا على صفين ، مثبتا ذلك باستدعاء الخليفة له عشية اندلاع الحرب ، بينما أورده الطبري بعيد النهروان ، مرجحا هذا الرأي أيضا ابن أبي الحديد ، ولكن في سياق يمكن الاستنتاج من خلاله ، أن قيسا ربما عاد حين ذاك إلى عمله بعد ركود الحرب ، شان الأشتر الذي رده الخليفة كذلك إلى عمله في الجزيرة ( نصيبين ) . وفي الوقت الذي يرجح فيه ابتعاد قيس عن الكوفة إلى أذربيجان ، حيث غابت أخباره عن واجهة الأحداث الكبيرة ، ما بين تعيينه وبين اغتيال علي ( ع ) ، أي خلال أقل من عامين ، ربما افتقدته فيها الكوفة . ولعل الخليفة نازعته الرغبة في إعادته إلى مصر بعيد مقتل واليها محمد بن أبي بكر ، معبرا عن ذلك فيما نسبه له ابن أبي الحديد ، بقوله : « ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين ، صاحبنا الذي عزلنا بالأمس - يعني قيس بن سعد بن عبادة - أو مالك بن الحارث الأشتر » . ولم يبق من قيادات الصف الأول في جبهة العراق ، سوى قيس بن سعد ، بعد أن لحق الأشتر بسلفه محمد بن أبي بكر . ولم يكن غياب الأشتر وقبله عمار بن ياسر وغيرهما من القيادات البارزة ، مما سهل تجاوزه في تلك المرحلة الدقيقة من الصراع بين الشام و « العراق » ، حيث الاغتيال السياسي اتخذ حيزة في خطط معاوية ، الذي كان يدرك تأثير القيادات في المعركة ، عسكرية كانت أم سياسية . ولذلك لم يتردد معاوية ، في دفع أثمان باهظة ، مقابل احتواء شخصيات راهن على دورها في مشروعه السياسي ( محاولته الفاشلة مع قيس بن سعد كما سبقت الإشارة ، ومضايقته لكل من رجالات عهده : عمرو بن العاص وزياد بن أبيه والمغيرة بن شعبة ولم يتردد من المنظور نفسه ، في التخلص من آخرين أعيته السبل في احتوائهم أو الركون إليهم ، حيث كان له سجل حافل في الاغتيال السياسي ، مستخدما وسائله المبتكرة في هذا المجال ، لا سيما التي أودت بالأشتر ، الذي قدم له السم ممزوجا بالعسل ، معبرا عن ذلك - أي معاوية - بالمقولة الشهيرة : « إن لله جنودا من عسل » . وكان أحد هؤلاء « الجنود » ، وهو طبيبه الخاص ( ابن آثال ) ، قد سقى الكأس نفسها لعبد الرحمن خالد بن الوليد الذي خشيه معاوية لميل الناس اليه حسب الرواية التاريخية . وبعد سنوات ثلاث ، تناول الحسن بن علي ( ع ) تلك الكأس من يد زوجته ( جعدة بنت الأشعث ) التي اصطنعها معاوية وأزال بواسطتها العقبة الأخيرة في مشروعه الرامي إلى إسقاط الشورى اسما ، بعد سقوطها بالفعل ، وذلك في السنة نفسها التي قاد فيها يزيد الحملة الكبرى إلى القسطنطينية ، دون أن تكون خارج المشروع السالف الذكر أو بعيدة عنه . قائدا في جيش الحسن ( ع ) لعل غياب قيس لم يكن طويلا عن الكوفة ، التي عاد إليها على ما يبدو في أواخر أيام علي ( ع ) ، حيث بات اليد اليمنى للخليفة ، إذا ما توقفنا عند رواية الزهري من أن عليا ( ع ) « جعل قيس بن سعد على مقدمته من أهل العراق ومن قبل أذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا عليا ع على الموت » ، ولعله لم يغادر الكوفة ، أصلا ، حيث الرواية نفسها تلمح إلى ذلك ، بأنه - قيس - « لم يزل يداري ذلك البعث حتى قتل علي ع » . وإذ كان اغتيال علي ( ع ) قد أحدث صدمة عنيفة في صفوف جماعته وأربك حركة خليفته ( الحسن ) ( ع ) ، مما انعكس على الجبهة العراقية التي لم يعد بالإمكان توحيدها واستنفارها على نحو ما كانت عليه عشية التحكيم ، فان هذا الأمر كان ماساويا بالنسبة لقيس والمشروع الذي ارتبط مصيريا به تحت راية الخليفة السابق . بيد أنه لم يفقد الأمل في متابعة النضال من أجله تحت راية الحسن ( ع ) ، فكان أول المبايعين له فيما يرويه الطبري ، ولكنها بيعة اقترنت بالحرب أو بقتال المحلين كما وصفهم في « عهده » للخليفة . على أن حسابات قيس ، ليست بالضرورة حسابات الحسن ( ع ) ، برغم وحدة الموقف وتشابه المنطلقات ، حيث الظروف لم تعد هي نفسها في عهده ، والضغط الأموي على الجبهة العراقية ، لم تكن له خطورته في السابق كما في هذا العهد ، بعد أن بلغت الهجمات الأموية حدا كبيرا من الجرأة ، متوجة بهجوم معاوية على مسكن ، غير البعيدة عن الكوفة . ولعل ما يعنيه ذلك أن الأخيرة باتت مهددة بصورة مباشرة ، مما اقتضى أن يتخذ الحسن ( ع ) معسكره في المدائن ، دون أن يكون ذلك مرتبطا بهذه التطورات فقط ، ولكن بما تتمتع به الأخيرة من موقع عسكري هام ، جعلها منطلقا للعمليات الحربية في صفين ، ومن ثم انطلقت منها الإمدادات أثناء معركة النهروان . وفي ضوء هذا الواقع ، فان الجبهة العراقية أصبحت على وشك الانهيار ، وبات الحصار الأموي أمرا واقعا ، تشتد وطأته يوما بعد آخر ، من غير أن نتجاهل هنا المتاعب الداخلية ، سواء في تشكيل القوة العسكرية غير المنسجمة ، أو في أزمة الخوارج التي لم تكن قد ركدت تماما ، أو في المشكلة الاقتصادية المزمنة ، نتيجة للحرب الطويلة ، التي أغرت الكثيرين من « أهل العراق » في الالتحاق بمعسكر معاوية ، حيث كان المال أحد أسلحته الفاعلة في المعركة . رفضه إغراءات معاوية المتجددة ولكن الحسن ( ع ) ، برغم هذه التحديات ، لم يأت لانهاء الحرب ، كما يحاول بعض المؤرخين تفسير موقفه ، انطلاقا من خطبة البيعة ( 1 ) ، وما عكسته من ارتياب « أهل العراق » في صدق عزمه على القتال . فقد يكون لدى الحسن ( ع ) جنوح نحو السلم ، تحت تأثير المعطيات التي أشرنا إليها ، ولكن الخيار لم يكن حين ذاك سهلا ، حيث الواقع فرض عليه الخيار الآخر ، استجابة لتيار الحرب الأقوى في جبهته ، ممثلا بقيس بن سعد وحجر بن عدي وسليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وآخرين من القيادات البارزة . وكان معاوية ، إدراكا منه بخطورة الموقع الذي يمثله قيس لدى الحسن ( ع )

--> ( 1 ) قال فيها مخاطبا أنصاره : « إنكم سامعون مطيعون ، تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت » الطبري ج 6 ، ص 93 .